موقع المصدر

ads
ads
كُتاب ومقالات
ندى العجيزي

ندى العجيزي

الجامعة العربية: نحو رؤية جديدة للتنمية المستدامة في المنطقة العربية

الأحد 22 يناير 2017 - 01:13 م
طباعة
لقد كانت جامعة الدول العربية شاهدة، وخلال عقود، على كثير من الأحداث التي مرت بها المنطقة العربية، بل وفاعلة ومؤثرة في البعض الآخر منها، الأمر الذي يجعلها قادرة على تقديم بعض الملاحظات التي قد تساهم في إثراء النقاش الدائر بين النخب العربية اليوم حول أفضل السبل للخروج من عنق الزجاجة الذي تعيشه حالة التنمية في بعض الدول العربية. 

فلا شك أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية، أسفرت عن تطور متسارع في وتيرة عدم الاستقرار السياسي والأمني في بعض الدول العربية، وعن شكوك متزايدة لدى الشعوب العربية حول فعالية نمط التنمية الذي كان سائدًا ويعتمد في أغلبه على الاقتصاد الريعي، الأمر الذي جعل السؤال الملح المطروح على النخب العربية اليوم هو: كيف يمكن تحسين الأداء التنموي في الدول العربية في وقت يغلب عليه الصراع وتردي الأوضاع الإنسانية في عدد من الدول العربية؟

وعموما، فمما لا شك فيه أن هذا الصراع كانت له تأثيرات سلبية كبيرة على تحقيق أهداف الألفية الإنمائية التي كانت أغلب الدول العربية سائرة في سبيل تحقيقها في أفق 2015. كما كان لهذا الصراع، إضافة إلى الحصيلة الباهظة في الأرواح، وتدمير البنى التحتية، وانهيار اقتصادات دول بكاملها، وزيادة نسب البطالة، آثار سياسية باهظة، حيث ظهرت على الساحة تكتلات متطرفة عنيفة قدمت نفسها بديلاً للدول... كل هذا جعل خيار التنمية التي تعتمد في جوهرها على الإنسان مبدأ وغاية وتجعل من الحفاظ على الكوكب واستدامة الموارد، نهجًا لا بديل عنه إن أردنا التقدم والخروج من الوضع الراهن الذي نعيشه اليوم.

وهنا دعونا نعترف، أولاً وقبل كل شيء، أننا ما زلنا بعيدين عن تعويض ما فاتنا خلال السنوات الماضية بسبب حالة الفوضى التي تشهدها المنطقة. لذلك، فإذا كنا جادين في معالجة هذه الأزمة واللحاق بركب التنمية، فنحن بحاجة إلى تطوير خطة عربية قائمة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لمنطقتنا، يشارك فيها نخبة من الباحثين ويتم إشراك الشباب والمرأة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في إعدادها لضمان تمثيل كل المهتمين والمستفيدين بمستقبل هذه المنطقة من العالم التي تتمتع دولها بجميع المميزات التي تجعلها في مقدمة الدول التي كان ينبغي أن تشهد نسب نمو مرتفعة، لولا تفاقم الأوضاع في المناطق التي تشهد عنفًا واقتتالاً داخليًا.

كما علينا أيضًا أن نعترف بأن التطورات الجيوسياسية الأخيرة مثل أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط وظهور تنظيمات إرهابية مثل «داعش» قد ساهمت في تعقيد انطلاقة ناجحة لخطة 2030 للتنمية المستدامة التي صادق عليها قادة العالم في سبتمبر (أيلول) 2015، كما لا يمكن أن نغفل السبب الخارجي المتمثل في انهيار أسعار السلع الأساسية مثل النفط الذي تقوم عليه استثمارات عدد مهم من الاقتصادات العربية. وفي هذا السياق الصعب، فإن تحقيق أهداف التنمية المستدامة سيتطلب جهودًا جبارة، أقلها تعزيز كفاءة المؤسسات القائمة وزيادة التنسيق الإقليمي والدولي لضمان استفادة أكبر من الفرص والإمكانيات التي تتيحها الشراكات من أجل التنمية، وهو ما يعني أولاً وقبل كل شيء أن يتم استخدام أي تمويل موجه للتنمية بأكبر قدر ممكن من الكفاءة.

إن الرؤية التي تنطلق منها جامعة الدول العربية لحل إشكالية التنمية تقوم على تكامل الجهود الإقليمية مع الجهود الوطنية للدول الأعضاء حيث عقدت الأمانة العامة العديد من الاجتماعات وورش العمل لهذا الغرض، واستعانت بالخبراء والباحثين لتشخيص الوضع التنموي العربي ورسم ملامح لخطة أو خريطة طريق تمكن الدول العربية من حجز مكان في ركب التنمية المستدامة، وتمكن كذلك صانعي السياسات في الدول العربية من اتخاذ قرارات تنموية مبنية على الحاجة الحقيقية للمجتمع، ليس فقط لضمان النمو، ولكن أيضًا لتحسين نوعية هذا النمو، وتحقيق استدامته عبر اتباع سياسات تنموية تعالج كل الإشكاليات التي تعاني منها المنطقة. وهذا لا يعني القضاء على الفقر فحسب، بل أيضًا معالجة عدد من التحديات الأخرى المرتبطة به مثل زيادة فرص الحصول على التعليم والتوزيع العادل لثمار التنمية، وتعزيز شبكات الضمان الاجتماعي لحماية الفقراء والفئات الهشة والضعيفة، والتي عادة ما تشكل بيئة خصبة لتنامي ظاهرة الإرهاب والتطرف العنيف.

إن الخطة العربية للتنمية المستدامة تقوم على احترام الخصوصيات الوطنية لكل دولة على حدة؛ إذ إن لكل دولة عربية أولوياتها التنموية التي تنطلق من احتياجاتها الداخلية، وهنا يأتي دورنا كأمانة عامة تنسق الجهود الإقليمية والدولية لتلبية احتياجات الدول الأعضاء عبر مختلف الشراكات وبرامج التعاون التي ترتبط بها الأمانة العامة مع المنظمات الدولية. وقد لمست خلال اللقاءات التي عقدتها مع المسؤولين وممثلي الدول العربية في اجتماعات ومناسبات عدة رغبة حقيقية للعمل بشكل جماعي وتشاركي لتنفيذ هذه الخطة رغم التفاوت الحاصل في مستويات التنمية بين الدول العربية، وهو ما شجعنا على المضي قدمًا في إنجاز هذه الخطة لقناعتنا التامة بضرورة تفعيل آليات التعاون العربي، والحرص على مسار تشاركي للتنمية يقوم على تقاسم المنافع وتبادل الخبرات والاستفادة من التجارب، ويجعل من المنطقة قطبًا تنمويًا قادرًا على التفاوض بشكل جماعي موحد في قضايا التنمية أمام المجتمع الدولي، تلك كانت رؤيتنا وقناعتنا لما تبشر به هذه الخطة وما نتطلع إليه في حالة تنفيذها بالشكل الصحيح الذي لا يلغي مشاركة أي فرد في حالة التحول نحو التنمية التي ننشدها في عالمنا العربي.

نقلا عن جريدة الشرق الأوسط

طباعة
ads
ads
ads
تصويت
هل تتوقع تراجع أسعار السيارات خلال الشهر الجارى

هل تتوقع تراجع أسعار السيارات خلال الشهر الجارى
ads